مجد الدين ابن الأثير

348

المختار من مناقب الأخيار

والصفاء ؟ فإن لم يكن فأين الانتباه والحياء ؟ فإن لم يكن فأين التوبة والوفاء ، فإن لم يكن فأين التضرّع والبكاء ؟ فمن عري عن ذلك فليبك على نفسه أيام حياته « 1 » . وسئل عن التصوف ما هو ؟ فقال : اتفقت أنا والجنيد على أنّ التصوّف نزاهة طبع كامنة في باطن الإنسان ، وحسن خلق مشتمل على ظاهره . وقال : تاه بعض أصحابنا في البادية أياما كثيرة فوقع على عمارة بعد أيام ، فنظر إلى جارية تغتسل في عين ماء ، فلما رأته تجلّلت بشعرها وقالت : إليك عني يا إنسان . فقال لها : كيف أذهب عنك والكلّ مني مشغول بك ! ؟ فقالت له : في العين الأخرى جارية أحسن مني فهل رأيتها ؟ فالتفت إلى خلفه ، فقالت له الجارية : ما أحسن الصدق وأقبح الكذب ! زعمت أنّ الكلّ منك مشغول بنا وأنت تلتفت إلى غيرنا . ثم التفت فلم ير أحدا . وسئل عن نعت الفقراء فقال : قوم أفردهم الحقّ في الخلق ليفردوه في تأدية حقّه . وقال : احفظوا بالصدق ألسنتكم ، فإنكم بها للّه مخاطبون ، واحفظوا به صفاتكم فإنكم بها للّه تعملون ، واحفظوا به قلوبكم ، فإنكم بها من اللّه تفهمون ، واحفظوا به عقولكم فإنكم بها عن اللّه تعلمون واحفظوا به أسراركم فإنكم بها للّه تشاهدون . مات أبو العباس أحمد سنة إحدى عشرة وثلاث مائة . وقيل : سنة تسع وثلاث مائة . رحمة اللّه عليه . * * *

--> ( 1 ) في ( أ ) : « حياته » وهي لهجة مثل الصلاة والزكاة